أبي طالب المكي
46
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
على أنّ ذلك لا ينقصهم من رزقهم شيئا ، فموهوا على دونهم ممن لا يعرف طريق الزهد والتوكل . ذكر كتم الأمراض وجواز إظهارها الأفضل لمن لم يتداو أن يخفي علله لأنّ ذلك من كنوز البرّ ولأنها معاملات بينه وبين خالقه ، فسترها أفضل وأسلم له إلَّا أن يكون له نية في الإظهار أو يكون إماما يستمع إليه ويقتبس منه الآثار ، ويكون مكينا في المعرفة يخبر بعلته وقلبه راض عن الله فيما قدره . أو يكون ممن يشهد البلاء نعمة فيكون إخباره بمثابة التحدّث بنعمة الله . وإلَّا فإظهار العلل لمن لا يتداوى نقص لحاله ، وداخل في الشكاية لمولاه ، لأنّ في الشكوى استراحة النفس من البلوى كالاستراحة بالدواء . وهذا لا يفعله عالم لأنّ الاستراحة بالدواء الذي أباحه له المولى خير من استراحته إلى العبيد بالشكوى ، على أنّه لا يأمن دخول الآفات عليه في الأخبار من التصنع أو التزيد في العلَّة وغير ذلك . وقيل في قوله عزّ وجلّ : * ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) * [ يوسف : 18 ] ، قال : لا شكوى فيه . وقال بعضهم : من بث شكواه فلم يصبر . وقيل ليعقوب عليه السلام : ما الذي أذهب بصرك ؟ فقال : من الزمان وطول الأحزان . فأوحى الله إليه : تفرغت تشكوني إلى خلقي ؟ فقال : يا رب ، أتوب إليك . وعن طاوس ومجاهد : يكتب على المريض أنينه في مرضه ، قال : وكانوا يكرهون أنين المريض لأنّه إظهار معنى يدل على شكوى . قيل : ما أصاب إبليس من أيوب إلَّا أنينه في مرضه ، فجعل الأنين حظه منه . وفي الخبر : إذا مرض العبد أوحى الله تعالى إلى الملكين : انظر إلى عبدي ما يقول لعواده فإن حمد الله وأثنى عليه بخير ، ادعوا له وإن شكا وذكر شرا قالا : لا ، كذلك يكون . وإنما كره بعض العباد العيادة خشية الشكاية وخوف الزيارة في القول أن يخبر عن العلَّة بأكثر منها فيكون في ذلك كفرا لنعمة بين بلاءين . وكان بعضهم إذا مرض أغلق بابه فلم يدخل عليه أحد حتى يبرأ ، فيخرج إليهم ، منهم فضيل ووهيب ، وبشر كان يقول : أشتهي أن أمرض بلا عواد . وقال فضيل : ما أكره العلَّة إلا لأجل العواد . وقد رأينا من الصالحين من فعل ذلك ممن هو إمام وقدوة . ولا ينقص توكل المتوكل إخباره بعلته على معنى التحدث بها مع فقد آفات النفوس ، إذا كان قلبه شاكرا لله راضيا بقضائه ، ويكون بذلك مظهرا للافتقار والعجز بين يدي مولاه أو راغبا في دعاء إخوانه المؤمنين ، أو يشهد ذلك نعمة فيحدث بها شكرا . وقد حكي أنّ بشر بن الحرث كان يخبر عبد الرحمن المتطبب بأوجاعه ، فيصف له أشياء . وقيل عن أحمد بن حنبل أنّه كان يخبر بأمراضه ويقول : إنما أصف قدرة الله تعالى في .